سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

190

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

وهكذا ، إذا فازت على مدى أربعة أجيال ، أن تعمم الجامعات التي لها بين تلك الشعوب ، اشتدت عرى الاتحاد وانتفى التغاير وأسباب النفرة ، أما والدولة العثمانية لم تفعل في ممالك البلقان ما ذكرنا ولم تفكر فيه فضلا عن أن تسعى إليه فكان خروج تلك الممالك من حوزتها واستقلالهم ، أمرا محتما وقوعه لا مرد له « سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةَ اللَّهِ تَبْدِيلًا » [ الأحزاب : 62 ] ! ثم لننظر في فتوحات الدولة للممالك الإسلامية منمصر والشام ، فحلب ، فبغداد وتونس وسائر الممالك العربية ! فنراها قد تمكنت من الفتح مع قليل من المقاومة والحروب وكان لجامعة الدين التأثير العظيم في قبول الحكم العثماني ، ولو أن الدولة قبلت من يوم استقلالها وعملت بالفكرة من عهد السلطان محمد الفاتح أو السلطان سليم ، بأن يتخذ اللسان العربي - وهو لسان الدين - لسانا رسميا وتسعى بكل قوتها وجهدها لتعريب الأتراك ، لكانت في أمنع قوة وآمن حصن من الانتقاض والخروج عن سلطانهم ، ولكنها فعلت العكس ؛ إذ فكرت بتتريك العرب ! وما أسفهها سياسة ! وأسقمه من رأي ؛ لأن تدين الأتراك بالدين الإسلامي ، على جهل باللسان العربي جعل لهم في القلوب منزلة ساقت وتسوق الأمة العربية للعطف عليهم مع سائر المسلمين . فما قولك لو تعربت وانتقى من بين الأمتين ، النعرة القومية وزال داعي النفور والانقسام « بالتركي وبالعربي » ! وصاروا أمة عربية بكل ما في اللسان من معنى وفي الدين الإسلامي من عدل ، وفي سيرة أفاضل العرب من أخلاق ، وفي مكارمهم من عادات . لا ريب لوتيسر ذلك لكان إعادة عصر الرشيد للمسلمين ميسورا وجمع شتات الممالك الإسلامية تحت لواء سلطان عادل همام مثل الفاتح أو السلطان سليمان أو السلطان سليم غير عسير . ولكن مع الأسف عدم قبول فكرة السلطان الفاتح أو السلطان سليم لتعميم اللسان العربي - خطأ بين - لا يضارعه إلا توغل العثمانيين في أوروبا وشبه جزيرة البلقان وجعل القسطنطينية عاصمة السلطنة والخلافة . لأن المستعمرة - مهما عظم موقعها وطاب هواؤها لا يصح أن تتخذ قاعدة أو عاصمة الملك لأسباب أهمها أن المستعمرة - كما سيأتي بيانه - كالثوب العاري قابل